ألفريد فيغنر..رائد أبحاث منطقة القطب الشمالي وواضع نظرية الانجراف القاري

ألفريد فيغنر..رائد أبحاث منطقة القطب الشمالي وواضع نظرية الانجراف القاري

أخبار القارة الأوروبية – بروتريه

يعد ألفريد لوثر فيغنر رائد أبحاث منطقة القطب الشمالي وواضع نظرية الانجراف القاري، وهو عالم ألماني درس فيزياء الأرض وعلم الأرصاد الجوية .

ولد فغنر في 1 نوفمبر عام 1880 في برلين ثم التحق بمدرسة في فالستراش في برلين (أصبحت اليوم مدرسة للموسيقى)، وتخرّج منها كأفضل طلاب صفه.

درس بعد ذلك الفيزياء، وعلم المناخ والفلك في برلين وهايدلبرغ وإنسبروك. وبين عامي 1902-1903، عمل كمساعد في مرصد أورانيا الفلكي. وفي عام 1905، حصل على شهادة دكتوراه في علم الفلك قدّم فيها أطروحة أكاديمية كتبها تحت إشراف يوليوس بوشينجر في جامعة فريدريك فيلهلم (وهي اليوم جامعة هومبولت في برلين). إلا أن فيغنر كان له اهتمامًا خاصًا بالتطورات في علمي الطقس والمناخ والتي كرّس دراساته حولهما فيما بعد.

وفي عام 1905، عمل فيغنر مساعدًا في مرصد ليندينبرغ للطيران قرب بييسكو، حيث عمل هناك مع أخيه كيرت الذي يكبره بعامين الذي كان هو الآخر له اهتمامات بعلم المناخ وأبحاث القطب الشمالي. وكان للإثنين الريادة في استخدام بالونات المناخ لتتبع الكتل الهوائية. استخدم الأخوان فيغنر بالونًا لإجراء أبحاث مناخية واختبار طرق الملاحة الفلكية باستخدام ربعية، واستطاعا تحقيق رقمًا قياسيًا جديدًا للطيران المستمر بالبالون، حيث بقيا محلقان 52.5 ساعة من 5-7 إبريل 1906.

في نفس العام 1906 م، شارك فيغنر في أولى حملاته الاستكشافية الأربع إلى جرينلاند، والتي اعتبرها لاحقًا من المحطات الحاسمة التي غيَّرت مجرى حياته. كانت الحملة تحت قيادة لودفيج ميليوس-إريكسن وكان هدفها دراسة آخر أجزاء ساحل شمال شرق جرينلاند التي لم تستكشف من قبل. خلال الحملة، دشّن فيغنر أول محطة مناخية في جرينلاند بالقرب من دنماركسهافن، حيث أطلق الطائرات الورقية والمناطيد المربوطة لإجراء القياسات المناخية في المنطقة القطبية الشمالية المناخية، وقد شهدت تلك الحملة أحداثًا مؤسفة بوفاة قائد الحملة واثنين من زملائه بسبب قسوة الجليد.

بعد عودته عام 1908 م وحتى الحرب العالمية الأولى، عمل فيغنر كمحاضر في علم المناخ وتطبيقات الفلك والفيزياء الكونية في جامعة ماربورغ. وفيها حظى فيغنر بتقدير زملائه وطلابه لقدرته على تقديم شرح واضح ومفهوم للمواضيع المعقدة ونتائج الأبحاث المعاصرة دون إهمال لأدق التفاصيل. أصبحت محاضراته مادة قياسية لتدريس علم المناخ، بعد أن دوّنت لأول مرة في 1909/1910: تحت عنوان «Thermodynamik der Atmosphäre» (الديناميكا الحرارية للغلاف الجوي)، والتي احتوت على العديد من نتائج حملته في جرينلاند.

وفي 6 يناير 1912، نشر أول أفكاره حول الانجراف القاري في محاضرة في الجمعية الجيولوجية في فرانكفورت وفي ثلاث مقالات في صحيفة «بيترمانز الجغرافية».‏

بعد التوقف في آيسلندا لشراء واختبار أحصنة قصيرة لاستخدامها كحيوانات نقل، وصلت الحملة إلى دنماركسهافن. وقبل حتى بداية الحملة، كادت الحملة أن تفنى بعد أن تعرضت لانهيار ثلجي، أصيب فيه قائد الحملة الدنماركي يوهان بيتر كوخ بكسر في ساقه ظل بسببه حبيس الفراش لشهور. كان فيغنر وكوخ أول من يمضون الشتاء في أعماق المناطق الثلجية في شمال شرق جرينلاند. وداخل كوخهما حفرا إلى عمق 25 متر مستخدمين مثقاب حفر. وفي صيف عام 1913، عبر أعضاء الحملة الأربع في المناطق الداخلية ضعف المسافة التي عبرها فريتيوف نانسين جنوب جرينلاند عام 1888. على بعد بضعة كيلومترات فقط من مستوطنة كانجرسواتسيك في غرب غرينلاند، نفد الطعام من الفريق وهم يكافحون لإيجاد طريقهم خلال تلك التضاريس الثلجية الصعبة. ولكن في اللحظة الأخيرة، بعد أن أكلوا آخر كلابهم وأحصنتهم، التقطهم رجل دين من آبرناويك في مضيق بحري، حيث كان في زيارة لتلك المنطقة.

وفي وقت آخر من نفس العام 1913، وبعد عودته من تلك الرحلة تزوج فيغنر من إليس كوبن ابنة أستاذه السابق عالم المناخ فلاديمير كوبن، وعاش الزوجان في ماربورغ حيث واصل فيغنر محاضراته الجامعية.

الحرب العالمية الأولى

مع بداية الحرب مباشرة، التحق فيغنر فورًا بالجيش كضابط مشاة احتياطي، حيث شهد معارك ضارية على الجبهة في بلجيكا، إلا أن فترة خدمته لم تدم سوى بضعة أشهر، حيث صُنّف أنه غير لائق طبيًا للخدمة في الجبهة بعد إصابته مرتين، وأُلحق بدائرة الأرصاد الجوية العسكرية. وتطلب ذلك منه التنقل بانتظام بين محطات أرصاد جوية مختلفة في ألمانيا ودول البلقان وعلى الجبهة الغربية ومنطقة البلطيق.

ورغم ذلك، استطاع فيغنر في عام 1915 أن ينجز الإصدار الأول من أحد أهم أعماله “أصل القارات والمحيطات”. وقد وصفه شقيقه كيرت بأن ألفريد فيغنر حاول إعادة الرابط بين فيزياء الأرض من جهة والجغرافيا والجيولوجيا من جهة أخرى، الذي انعدم تمامًا بعد التطور المذهل لهذه الفروع من العلم. لم يحظ هذا المنشور الصغير إلا باهتمام بسيط، ربما بسبب حالة الفوضى في زمن الحرب. وبحلول نهاية الحرب نشر فيغنر ما يقرب من 20 ورقة بحثية أخرى في علم المناخ والجيوفيزيائية. وفي عام 1917، أجرى بحثًا علميًا على النيزك تريزا.

ما بعد الحرب والحملة الثالثة

حصل فيغنر على منصب عالم مناخ المرصد البحري الألماني وانتقل إلى هامبورغ مع زوجته وابنتيه. وفي عام 1921، تم تعيينه كبير محاضري جامعة هامبورغ الجديدة. بين عامي 1919-1923، عمل فيغنر هو وحموه فلادمير كوبن على كتاب “المناخ في العصور الجيولوجية”.

وفي عام 1922، أصدر فيغنر الطبعة الثاثة المنقحة بعناية من كتابه “أصل القارات والمحيطات”، التي بدأ فيها شرحه لنظريته حول انجراف القارات، ليواجه انتقادًا شديدًا من معظم المختصين.

في عام 1924، تولى فيغنر منصب أستاذ علم المناخ والجيوفيزياء في جامعة غراتس، حيث ركّز على دراسة فيزياء والظواهر البصرية للغلاف الجوي، إضافة إلى دراسة الأعاصير.

وفي نوفمبر 1926، قدّم فيغنر نظريته حول الانجراف القاري في ندوة جمعية جيولوجيي البترول الأمريكية في مدينة نيويورك، حيث لاقى استهجان جميع الحضور عدا الرئيس. وبعد ثلاثة أعوام، أصدر الطبعة الرابعة والأخيرة من كتابه “أصل القارات والمحيطات”.

وفي عام 1929، شرع فيغنر في رحلته الثالثة إلى جرينلاند، التي مهدت لحملة تالية أكبر في وقت لاحق، شملت تلك الحملة اختبار أحد النماذج الأولية لزلاجة الجليد الآلية.

الحملة الرابعة والأخيرة

كانت آخر حملات فيغنر في جرينلاند عام 1930. كان هو قائد الحملة وبصحبته 14 مشارك في الحملة، هدفهم إنشاء 3 محطات دائمة يمكن من خلالها قياس الطبقة الثلجية في جرينلاند ومراقبة المناخ القطبي الشمالي على مدار العام. أخذ فيغنر على عاتقه نجاح الحملة، نظرًا لمساهمة جمهورية فايمر بمبلغ $120,000 (فيما يعادل $1.5 مليون عام 2007) في الوقت الذي كان فيه الألمان يتضورون جوعًا نتيجة نقص الموارد بعد الحرب. كان نجاح الحملة يتوقف على نقل كمية كافية من المؤن لرجلين من المخيم الغربي إلى المناطق الجليدية الداخلية ليمضيا فصل الشتاء هناك، وهو العامل الذي جعله يتخذ القرار الذي أدى إلى وفاته. وبسبب تأخر ذوبان الجليد، تأخر جدول البعثة ستة أسابيع عن الموعد المحدد، فبعث الرجلان اللذان في المناطق الداخلية برسالة أنهما سيعودان في 20 أكتوبر نظرًا لعدم كفاية الوقود.

المركبات التي استخدمها أفراد حملة 1930 في تنقلاتهم.

وفي 24 سبتمبر، وبالرغم أن معظم علامات الطريق كانت مدفونة إلى حد كبير تحت الثلوج، أنطلق فيغنر مع ثلاثة عشر من الجرينلانديين وعالم المناخ فريتز لوي لتزويد المخيم على زلاجات الكلاب. خلال الرحلة وصلت درجة الحرارة إلى -60° مئوية (−76 فهرنهايت)، وتعرضت أصابع القدم لوي لعضات الصقيع حتى أنهم اضطروا إلى بترها بسكين دون مخدر. ثم عاد إثني عشر من الجرينلانديين إلى المخيم الغربي. في 19 أكتوبر، وصل الثلاثة الباقون إلى مكان الرجلين. كانت المؤن لا تكفي سوى ثلاث رجال في معسكرهم، فعاد فيغنر وراسموس فيلومسن على زلاجتي كلاب إلى المخيم الغربي. لم يأخذا طعام للكلاب وقتلوهم الواحد تلو الآخر لإطعام الباقين حتى لم يعد بإماكنهم سوى تشغيل زلاجة واحدة فقط. قاد فيلومسن الزلاجة، واستخدم فيغنر الزحافات. لكنهما لم يتمكنا من الوصول إلى المخيم، وتابعت الحملة عملها تحت قيادة أخيه كيرت فيغنر.

وفاته

وبعد ستة أشهر في 12 مايو 1931، وجدت جثة فيغنر في منتصف الطريق بين معسكر الحملة في المناطق الثلجية الداخلية والمخيم الغربي، دفنها زميله فيلومسن بعناية فائقة مستخدمًا زوجي الزحافات كشاهد على قبره للاستدلال عليه. كان فيغنر عند وفاته في الخمسين من عمره، كما كان مدخنًا بشراهة، ويعتقد أنه توفي نتيجة قصور القلب. أعيد دفن الجثة في موضعها بواسطة الفريق الذي عثر عليها جيدًا ووضع صليب كبير شاهدًا على قبره.

واصل فيلومسن رحلته بعد أن دفن فيغنر إلى المخيم الغربي، لكن لم يتمكن من الوصول، كان عمره عند وفاته 23 عامًا ويعتقد أن جثته ومذكرات فيغنر تقعان الآن تحت أكثر من 100 متر (330 قدم) من الثلج المتراكم.

Exit mobile version